الرئيسيةسورياسياسةرؤية حول مصير الحرب في سوريا من واشنطن

رؤية حول مصير الحرب في سوريا من واشنطن

الخميس, 13 آذار/مارس 2014 21:23

جيفري وايت، معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى:

لا يمكن اعتبار نجاحات النظام العسكرية مؤخراً نجاحات ساحقة، إلا أن إنجازاته المتراكمة في حلب ودمشق تدحض مفهومنا لما يجري في سوريا بكونه حالة مستعصية، كما أن هذه الإنجازات من الممكن أن تحول مجرى الحرب لصالحه. غالباً ما يوصف القتال في سوريا على أنه مستعص أو أنه حرب استنزاف، فهناك القليل من التغييرات الجوهرية، ولا يوجد تطور حاسم على الرغم من أن كلا الطرفين يعلن بأنه ينتصر وأن الطرف الآخر يخسر، كما يشير البعض إلى عدم وجود "حل عسكري" في سوريا.
 
 إلا أن الإستعصاء يمكن كسره لمصلحة أحد الطرفين، وحرب الإستنزاف من الممكن الإنتصار فيها. ففي الوقت الراهن، تحدث مئات العمليات العسكرية يومياً في أرجاء أحد عشر محافظة في سوريا من أصل أربعة عشر، تتدرج من استخدام صورايخ السكود والبراميل المتفجرة إلى اشتباكات صغيرة تتضمن أسلحة فردية وعدداً محدوداً من القوات. ومن المؤكد بأن نظام الأسد يعمل جاهداً للتأكد من أن عملياته العسكرية ستؤدي إلى حل عسكري يناسبه، وأنه قد حقق بعض النجاح في ذلك أو على الأقل في الوقت الراهن. 
 
إستراتيجية النظام :
لا يبدو بأن النظام يسلم بفكرة الإستعصاء، ولا يبدو أيضاً بأنه متخبط حول كيفية خوض الحرب. يملك النظام عدداً من الأهداف وإستراتيجية عسكرية لتحقيقها، ويقوم بتنفيذ أنواع متعددة من العمليات العسكرية لتطبيق هذه الإستراتيجية. 
 
تكمن الأهداف السياسية للنظام في البقاء في السلطة وإعادة السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من سوريا، وتحويل المعارضة السياسية إلى حركة في المنفى لا قيمة لها. أما أهدافه العسكرية فتكمن في اختزال المعارضة المسلحة إلى تهديد إرهابي يمكن السيطرة عليه. إلا أن ذلك لا يعني بأن النظام بحاجة إلى القضاء بشكل كامل على كل معارضية أو إلى استعادة كل بقعة من الأراضي التي خسرها.
 
 لم يبدي النظام أي نية مغايرة للقتال فهو يقاتل في كل المناطق السورية، كما أنه لا يريد التفاوض مع المعارضة، ولا يريد التخلي عن أي محافظة. تتطلق الإستراتيجية العسكرية لتحقيق هذه الأهداف من خلال استخدام جميع عناصر القوات العسكرية (الجو، البر، الصواريخ والقوات غير النظامية) من أجل تأمين مناطق هامة أو استعادة مناطق خسرها لصالح الثوار. وبشكل محدد، يهدف النظام لاستمرار قبضته على المحافظات الموالية له (طرطوس، اللاذقية، السويداء)، والإبقاء على تواجده في أجزاء هامة من المناطق المتنازع عليها (مدينة دمشق، دير الزور، إدلب، ودرعا)، واستعادة المناطق المهمة التي خسرها (ريف دمشق، مدينة حلب، القلمون).
 
 يسمح هذا التقسيم للنظام بالمحافظة على قواته في المناطق الأقل أهمية أو المسيطر عليها، بينما يركز قواته في العمليات الهجومية ضمن المناطق التي تعتبر حساسة وهامة. ينفذ النظام أربعة أنواع من العمليات لتطبيق إسترتيجيته: 
 
أولها: العمليات الهجومية والتي تنفذ لاستعادة المناطق أو إنقاذ أوضاع متدهورة.
 
 ثانيها: العمليات الدفاعية والتي تهدف إلى منع سقوط مناطق مهمة أو مواقع في أيدي الثوار. 
 
ثالثها: عمليات السيطرة على السكان (الحصار، القصف المستمر، الهدن) والتي توظف لإزلة القاعدة الشعبية للثوار من خلال التسبب بنزوح المدنيين، وإخماد المناطق السكنية المؤيدة للمعارضة، وتقليل الدعم المحلي لقوات الثوار.
 
 رابعها: العمليات الأمنية (التفتيش، المداهمات والاعتقال) وتهدف إلى منع ظهور نشاطات الثور وغالباً ما تنفذ في المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام.
 
 تمنح هذه العمليات مجتمعة النظام أدوات مرنة لخوض الحرب كما أنها تفسر تنوع العمليات التي ينفذها يومياً. 
 
ولا يحد من قدرته على استخدام هذه الأدوات إلا كمية الموارد المتوفرة لديه وقدرات المعارضة على المقاومة.
 
 وضع التوازن الحالي :
يختلف وضع النظام وفقاً للمناطق المختلفة في البلاد، ففي أغلب المحافظات تندرج حالته وفقاً لأحد الأنواع الأربعة التالية:
 
 سيطرة محكمة
 تقدم هجومي بطيء
عمليات دفاع ناجحة أو خسارة مناطق.
 
 لا تعتبر سيطرة النظام مهددة بشكل حقيقي في ثلاثة محافظات وهي طرطوس، السويداء ولمدى أقل في اللاذقية.
 حيث يتمكن النظام في هذه المناطق من التعامل مع التهديدات المسلحة من خلال قوات غير عسكرية، وقوات غير نظامية منظمة تحت قوات الدفاع الوطني، أو باستخدام قوات عسكرية نظامية صغيرة. 
 
ففي اللاذقية، ينحصر الثوار بشكل أساسي في الشمال الشرقي، وعندما شكلوا خطراً أكبر في آب 2013 نفذ النظام ضدهم عمليات عسكرية هجومية. 
 
يحقق النظام تقدماً بطيئاً ضد الثوار في ثلاثة مناطق أخرى؛ حيث تعتبر منطقة القلمون ويبرود منطقة هامة شمال دمشق وتقع على طريق دمشق-حمص وعلى طول الحدود اللبنانية الحساسة، وهي حصن للثوار منذ زمن.
 
 ينفذ النظام هجوماً بطيئاً في تلك المنطقة بهدف تحطيم المقاومة المسلحة، معتمداً على قوة نيرانية عالية وقوات نظامية وغير نظامية، وقوات موالية من المليشيات الشيعية العراقية وحزب الله.
 كما يقوم النظام بمهاجمة المواطنين في مراكز المناطق المقاومة كمدينة يبرود، وباستخدام أنواع مختلفة من الأسلحة. 
ولقد قدمت وحدات الثوار العاملة تحت أوامر "غرفة عمليات القلمون" مقاومة قوية ومستمرة هناك، إلا أنها تخسر كما يبدو مواقعها ببطء. 
 
وباستثناء حدوث تغير جوهري في قدرات الثوار، فمن المتوقع أن يتمكن النظام من الانتصار في هذا الهجوم، إلا أن انتصاره لن يكون سريعاً وبدون خسائر معتبرة. 
 
بدء النظام بهجوم بطيء آخر في محافظة حلب خلال الصيف الماضي؛ ومنذ ذلك الوقت تمكن من فتح مدخل لمدينة حلب من جهة الجنوب الشرقي، وأصبح الآن يهدد بتطويق القسم المسيطر عليه من قبل الثوار في المدينة. 
يستخدم النظام في هذا الهجوم نفس التركيبة من القوة النيرانية، والقوات النظامية وغير النظامية والقوات الموالية، في حين يهاجم السكان المدنيين من الجو باستخدام الصواريخ والمدفعية. 
 
تقدم النظام في هذه الجبهة كان بطيئاً ومكلفاً، إلا أنه يستمر في الضغط على الثوار لدفعهم للتراجع، كما يقوم بتهديد طرق إمدادهم. 
حيث أن تمكن النظام من عزل المدينة من المرجح أن يؤدي إلى فرض الحصار عليها.
 
استخدم النظام تركيبة من العمليات الهجومية وعمليات السيطرة على السكان في مدينة دمشق وما حولها بهدف استعادة الأحياء الجنوبية والضغط على الثوار في الضواحي الشرقية. 
وكما في مناطق أخرى، يعتمد النظام على كثافة نيرانية عالية و قوات مدمجة وهجمات ضد المدنين على نطاق واسع، بما في ذلك عمليات الحصار على الأحياء التي تدعم الثوار. 
ولقد أدت هذه الإجراءات إلى عدد من الاتفاقيات المحلية لإيقاف إطلاق النار والتي سببت انخفاضاً في المقاومة الشعبية. 
وبالرغم من أن أغلب المناطق حول دمشق مازالت متنازع عليها، إلا أن النظام يربح تدريجياً. 
 
يقوم النظام بشكل أساسي بعمليات دفاعية في المحافظات التي لا يريد أو لا يستطيع القيام فيها بعمليات هجومية معتبرة. 
ففي هذه المناطق يركز النظام على عمليات الدفاع عن مناطق أساسية؛ مثل المدن الكبرى، المطارات والمواقع العسكرية الهامة (مقرات القيادة، الحاميات العسكرية الرئيسية، مخازن الأسلحة والذخائر). 
 
وانطلاقاً من هذه المناطق ينفذ النظام عمليات عسكرية لإزعاج و إتعاب وتشتيت نشاطات الثوار، والتحكم بالسكان المدنيين. 
يدعم تواجد النظام في هذه المناطق شبكة ممتدة من نقاط القوة (مايطلق عليه بالحواجز)، والتي تستخدم كقواعد لنيران المدفعية وتساهم في تأمين خطوط الإتصال، وتوسع مناطق نفوذ النظام وسيطرته.
 
 نجح هذا النوع من العمليات الدفاعية في كل من دير الزور والرقة في الشرق وإدلب في الشمال.
 يخسر النظام مواقعه في كل من القنيطرة ودرعا جنوباً وحماة في الوسط؛ 
ففي هذه المناطق لا تمتلك قوات النظام القوة الكافية لحماية شبكة مواقعها، وتبدو بأنها تحت ضغط شديد كي تتمكن من الحفاظ على بعض البلدات الهامة.
 إلا أن معظم نجاحات الثوار في هذه المناطق كانت حول مناطق ذات أهمية أقل، مع محافظة النظام على المنشآت العسكرية الأساسية والمدن الكبرى. 
 
يزيد النظام عملياته العسكرية من خلال تعزيزات على نطاق ضيق، والغارات الجوية والقصف المدفعي وإجراءات هجومية أخرى عندما تصبح نجاحات الثوار ذات خطورة في هذه المناطق.
 من الصعب تحديد الأوضاع في بعض المحافظات الأخرى؛ ففي حمص، تراجع النظام نحو العمليات الدفاعية وعمليات السيطرة على السكان بعد نجاحاته في ربيع عام 2013 حول القصير وتلكلخ. 
 
وفي الوقت نفسه قام بعمليات هجومية بطيئة في قرى حدودية مع لبنان.
 أما في محافظة الحسكة شرقاً، فيبدو أن النظام راض عن قيام التجمع الديمقراطي الكردي (PYD) بأغلب العمليات القتالية ضد الثوار الإسلاميين، بالرغم من أنه يحافظ على تواجده العسكري هناك. 
وكنتيجة لذلك لا تعتبر الحسكة تحت سيطرة النظام أو الثوار في هذه اللحظة. 
 
أسباب نجاح النظام:
 ساهمت عدة عوامل في نجاحات النظام مؤخراً.
 وأولها، تواجد قوات موالية والذي يعتبر أمراً أساسياً وخاصة في العمليات الهجومية.
 إن مشاركة قوات حزب الله والمليشيات العراقية لا يعتبر ضامناً للنجاح، إلا أنه زاد من فرص النظام بشكل كبير. 
 
ثانيها، أن العمليات الهجومية والدفاعية تكون أكثر نجاحاً عندما يستطيع النظام حشد قواته وقدراته النارية، والسيطرة على الموقف (من خلال تقسيم أرض المعركة واستخدام وسائل الحصار)، وعندما يجابه قوات ثوار ضعيفة (مجموعات ذات أعداد صغيرة، خفيفة السلاح و ضعيفة التنسيق)، وأيضاً من خلال استدامة العمليات واستمرارها.
 وبكلمات أخرى، تعتبر عملياته ناجحة عندما يعطيها أهمية كافية ويستثمر فيها موارد أكبر.
 
 ومن العوامل المؤثرة أيضاً الطبيعة الجغرافية للأرض وحجم الخسائر؛ حيث تعطي الطبيعة القاسية للأراضي السورية والمناطق الحضرية ميزة للمدافع، وقد استغل ذلك كل من النظام والثوار. 
يهتم النظام أيضاً بخسائره البشرية، حيث أن أعداد القتلى والمصابين من العناصر النظامية وغير النظامية في ارتفاع نتيحة لازدياد حدة القتال وظهور مجموعات من الثوار أكثر تدريباً وتنسيقاً. 
ولا يمكن لدمشق تجاهل الخسائر ضمن القوات الموالية، لاسيما حزب الله الذي يخشى على قاعدة دعمه الشعبية في لبنان.
 
 حيث يبدو بأن حزب الله ووحدات المليشيات العراقية تعاني من خسائر هامة في قتال القلمون-يبرود. 
 
آفاق المستقبل:
 إن نجاحات النظام مؤخراً لا يمكن اعتبارها بأي شكل من الأشكال نجاحات ساحقة، فعملياته الهجومية في بعض الأحيان تتطور ببطء شديد، أو تفشل بشكل كامل، كما أنه يخسر في بعض المناطق. 
إلا أنه مازال يحقق نجاحات تراكمية في جبهات أساسية ضمن منطقتي حلب ودمشق.
وفي حال تمكنه من الانتصار هناك، فإن توجه الحرب الحقيقي سيتجه وبقوة لصالحة.
وعندها سيضغط كل من بشار الأسد وحلفاؤه بقوة نحو "حل عسكري" متشجعين بنجاحاتهم، وسيكونون أقل ميلاً للتفاوض.
 
ووفقاً لذلك، فإن العديد يخشون من أن يعاني الثوار خسارة معتبرة في حلب ودمشق. 
 
ورغم أن ذلك لن يحدث في يوم وليلة، إلا أنه يبقى هناك احتمالية لحدوث انهيار سريع في المقاومة بسبب التأثيرات المتراكمة للخسائر البشرية، والمشاكل اللوجستية، وفقدان الرغبة في القتال، وانخفاض الدعم الشعبي. 
 
قاتل الثوار بقوة ولمدة طويلة على جبهات عديدة، إلا أن تصميمهم قد لا يستمر إلى الأبد. 
ويبقى السؤال مفتوحاً إن كان بإمكان الثوار الرد بفعالية على التحدي الذي يشكله النظام من دون تحقيق توحد داخلي أكبر، وتوفر دعم عسكري خارجي معتبر يتضمن السلاح والتدريب والنصح والمعلومات الاستخباراتية. 
 
جيفري وايت
 زميل الدفاع في معهد واشنطن وضابط استخبارات دفاعية سابق
 
 
تم قرائته 4760 مرات آخر تعديل في الخميس, 13 آذار/مارس 2014 21:32

رأيك في الموضوع

شاركنا بتعليق

برنامج المكتب على الأندرويد

« أكتوبر 2023 »
اثنين ثلاثاء الأربعاء خميس جمعة سبت الأحد
            1
2 3 4 5 6 7 8
9 10 11 12 13 14 15
16 17 18 19 20 21 22
23 24 25 26 27 28 29
30 31          

كن دائماً على تواصل معنا